أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

142

شرح مقامات الحريري

حمة بالتخفيف : سمّ وشرّ . يرقى : يصعد في منزله ، ويرتفع في أصابع الكاتب حين يكتب به . يرقى : إشارة للرشوة لأنها تسكن شرّة ، كما تسكن الرقية الوجع ، إعنات : مشقّة . ينشى : يكتب . يغشى : يقصد ويدخل عليه . [ حائك الكلام ] هذه المقامة بناها أبو محمد على حكاية حائك الكلام المشهور ، لأنهم حقروه أولا في السفينة ثم عظموه آخرا بعد الاختبار . ونذكر الحكاية وإن طالت لموافقتها المقامة : حدّث عمرو بن مسعدة « 1 » أنّ المعتصم لمّا رجع من الثغر ، وصار بناحية الرّقة قال لي : ما زلت تسألني في الرخّجي « 2 » حتى ولّيته الأهواز ، وقعد في سرّة الدنيا يأكلها خضما وقضما ، ولم يوجّه إلينا بدرهم واحد ، اخرج إليه من ساعتك ، واحلف ألّا تقيم ببغداد إلّا يوما واحدا ، فحلفت له ، وقلت في نفسي : أبعد الوزارة أصير مستحثّا لعالم خراج ! ولم أجد بدّا من طاعته . فخرجت إلى بغداد ، ففرش لي زورق ، وغشّي بالسّلخ « 3 » ، فلما صرت عند دير هزقل ، وإذا رجل يصيح : يا ملاح ، رجل منقطع ، فقلت للملاح : قرب إلى الشطّ ، فقال : هذا شحاذ ، وإن قعد معك ، آذاك فأمرت الغلمان فأدخلوه في كوثل الزّورق « 4 » ، فلما حضر الغداء دعوته فأكل أكل جائع ، إلّا أنه نظيف ، فلما رفع الطعام ، أردت أن يستعمل معي ما يستعمل العوامّ مع الخاصة ؛ أن يقوم فيغسل يده في ناحية ، فلم يفعل ، فغمزه الغلمان فلم يفعل ، فقلت : يا هذا ، ما صناعتك ؟ فقال : حائك ، فقلت في نفسي : هذه شرّ من الأولى ، ثم قال لي : جعلت فداك ! سألتني عن صناعتي فأخبرتك ، فما صناعتك ؟ فقلت : هذه واللّه أعظم ، فكرهت ذكر الوزارة فقلت : كاتب . فقال : الكاتب على خمسة أصناف : كاتب رسائل ويحتاج أن يعرف الفصل من الوصل ، والتهاني والتعازي والصدور وجملا من الإعراب . وكاتب خراج يحتاج إلى أن يعرف الزرع والمساحة والتقسيط والحساب . وكاتب جند ، يحتاج إلى أن يعرف شيات الخيل وحلى الناس وكاتب شرطة يحتاج إلى أن يعرف الجراح والقصاص والدّيات ، وكاتب قاض يحتاج إلى أن يعرف الفقه والوثائق وما يتعلق بذلك ، فأيهم أنت أعزك اللّه تعالى ؟ قلت : كاتب رسائل ، قال : فأخبرني ؛ إن كان لك صديق تكتب له في المحبوب

--> ( 1 ) من المعروف أن عمرو بن مسعدة بن سعيد هو أحد وزراء المأمون ، وقد توفي سنة 217 ه في حياة المأمون ، وأن المعتصم ولي الخلافة في رجب سنة 218 ه . ولعل هنا خطأ . ( 2 ) هو عمر بن فرج الرخجي من كتاب المأمون . ( 3 ) السلخ : الجلد . ( 4 ) كوثل الزورق : مؤخره .